الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
204
نفحات القرآن
يصدقه أحد ممن كان حوله فنسبوا الضلالة إلى الشيخ الكنعاني ذلك النبي العظيم حيث قالوا له : « تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَالِكَ الْقَدِيم » . ( يوسف / 95 ) وقد تبين صدق شيخ كنعان عند رجوع الاخوة إلى كنعان . وقد عُدَّت المسافة بين مصر وكنعان بعشرة أيّام في بعض الروايات ، وبثمانية أيّام في بعضها الآخر وفي روايات أخرى بثمانين فرسخاً « 1 » . ولا دليل على حمل الآية على المعنى المجازي والقول بأن شم رائحة القميص كناية عن قرب لقائه بيوسف حيث ألهم الأب بذلك اللقاء ( مثل قولنا نشم رائحة انتصار المسلمين على الأعداء ) ، وذلك لأنّه مع امكان حمل الألفاظ على الحقيقة لا يمكن الحمل على المجاز . وفي النهاية نستنتج أنّ مكاشفة حصلت ليعقوب ورفعت عنه الحجب ، وباحساس يفوق الاحساس الظاهري استطاع أن يشم رائحة قميص ابنه من بعيد . جج وقد تحدثت الآية الثامنة والأخيرة عن قصة تمثّل الملك الإلهي لمريم حيث يقول القرآن في هذا المجال بصراحة : لقد انفصلت مريم عن أهلها في الضفة الشرقية من « بيت المقدس » ، واتخذت حجاباً بينها وبين الناس ( وهذا الحجاب إمّا أن يكون لأجل التفرغ للعبادة والنجوى أكثر ، أو أن يكون لأجل التطهر والغسل ) ، وأيّما كان فإنّ اللَّه أرسل إليها روحه ، فتمثل لها بشراً وإنساناً سويّاً أي كاملًا من دون عيب وذا قامة ووجه جميل ، ففزعت مريم في الوهلة الأولى ، لكنها اطمأنت عندما قال لها : « إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبّكِ لِاهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً » أي عيسى عليه السلام . ( مريم / 19 )
--> ( 1 ) . تفسير مجمع البيان ، ج 5 ، ص 262 ؛ تفسير الكبير ، ج 18 ، ص 207 .